مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )

61

محمد ( ص ) في مكة

وكان تأثير الفرد في مجريات الأمور في مكة يقوم على أمرين : عشيرته وكفاءته الشخصية . وكانت قوة العشيرة تتناسب مع ثروتها بالرغم من أن الثروة في مثل هذا المجتمع التجاري كانت متحركة إلى درجة كبيرة وتتغير تبعا لمدى الأعمال التي يمارسها الفرد والعشيرة ونجاحها ، وقد تكون البداية ثروة موروثة وعلاقات عمل ، ولكن كان تأثير الفرد في النهاية يعتمد أساسا على صفاته الشخصية : دهائه التجاري والاقتصادي ، سياسته مع العشائر والقبائل الأخرى ومع ممثلى القوى الكبرى ، وقدرته على فرض رئاسته على أقرانه في العشيرة والدوائر الأوسع . فلم تكن سيطرة أبي سفيان على سياسة مكة في بداية بعثة محمد ( عليه الصلاة والسلام ) لأنه كان متوليا منصبا له سلطة ، بل لأهمية عشيرته بنى عبد شمس أو أمية وثروتها ولأنه كان يتمتاع بالصفات التي ذكرناها . وكانت العشيرة الأخرى ذات السيادة في ذلك الوقت هي بنى مخزوم ، ولذلك كان لأعضائها البارزين - مثل الوليد بن المغيرة وأبى جهل - دور هام في إدارة شؤون مكة . قد يكون من الطريف المقارنة بين مكانة أبي سفيان في مكة وبير كليس في أثينا . كانت الديموقراطية العربية أقل مساواة منها في أثينا . فقد كان كل فرد في العشيرة في مكة لا يمثل الا فردا واحدا ولم يكن هناك من يمثل أكثر من واحد ، ومع ذلك تمكن العرب بطريقة أو أخرى من ايجاد وسيلة لاختيار الأعضاء البارزين في العشيرة الذين يحضرون اجتماعات الملأ . وكان الملأ المكي أكثر حكمة ومسؤولية من الاكليزيه ekklesia الأثينى ، ونتيجة لذلك كانت قراراته تتخذ بناء على الجدارة الحقيقية

--> ونفهم من ابن كثير أن السقاية كانت بدون مقابل . أما الرفادة ، فقد ذكر ابن هشام والطبري وابن كثير أن قصيا جمع أهل مكة فقال لهم : انكم جيران اللّه وأهل بيته الحرام ، وان الحاج ضيف اللّه وزوار بيته ، وهم أحق الضيف بالكرامة ، فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم ، ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه اليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى ، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية حتى قام الاسلام ، ثم جرى في الاسلام بعد ذلك .